المقريزي
309
المقفى الكبير
نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر * [ و ] النسب المعروف غير المنكر « 1 » وقد صبغ نفسه بالعلم والأدب ، وراضها بالدّءوب والنصب ، وسما للمعالي من الرتب ، وجعل القرآن جعاره « 2 » ، والفقه والسنن نوره ونوّاره ، وأجلى آدابه بقول الشعر الذي يفوت في معانيه دقائق إسماعيل « 3 » ، وفي ألفاظه عذوبة كثيّر وجميل . وممّا قاله ، يدعو إلى الخروج ، ويصف نفسه وأصحابه بالمذهب الجميل [ الوافر ] : سأطلب للعلاء بكلّ ليث * له زأر بذكر اللّه وحده له ممّا تصوغ الهنديّات * وممّا حاكه داود لبده يردّ الرمح أزرق في احمرار * كناظر أزرق خضبته رمده وهو البيت الذي لم يدنس ذكره ، ولم يملك أمره ، ومن تجتمع النّحل مع اختلافها على قبوله ، وتطّلع الأعين والقلوب إلى بروز نجله وسليله . [ سعيه بين أمراء العرب وأمراء الأتراك ] ثمّ إنّه كوتب من الموصل بالسير إليها ، وعرض عليه صاحبها معتمد الدولة أبو المنيع قرواش بن المقلّد وزارته بعد موت الكافي وزيره . فسار عن ميافارقين ، وديار بكر ، على أنّه يتصفّح العمّال ، ويعتبر أحوال الأعمال ، حتى قرب من الموصل فأسرى في الليل وصبح الموصل ، فاجتمع بصاحبها . وقلّده وزارته وبعثه في الرسالة [ 460 ب ] إلى بغداد ليتوسّط بين السلطان مشرّف الدولة أبي علي ، وبين معتمد الدولة أبي المنيع قرواش . فاجتمع برؤساء الأتراك والديلم واستمالهم إلى نفسه ليلي الوزارة ، وراسل الأثير أبا المسك عنبر واستماله . فلمّا قبض مشرّف الملك على مؤيّد الملك سيّد الوزراء أبي علي الحسين بن الحسن الرّخّجيّ « 4 » في رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة ، كوتب أبو القاسم ابن المغربيّ بالورود . فورد إلى بغداد وتقلّد وزارة مشرّف الدولة في رمضان المذكور بغير خلع ولا لقب ولا مفارقة للدرّاعة . فطعن عليه بدار الخلافة في مذهبه وأنكر اسمه المغربيّ الذي عرف به ، وذمّ لخاصّة الملك السعيد مشرّف الدولة . وأنكر عليه كونه ردّ أمور وزارته إليه مع ما يظنّ به من اعتقاد المصريّ « 5 » والتديّن به ، وكان ذلك عند تجديد البيعة على الأولياء الأتراك ببغداد . وأشير إلى أنّ هذا الأمر مقدّمة لأمر يستأنف عقده معهم . [ رسالته إلى مشرّف الدولة في رفع التهمة عن نفسه ] فكتب في هذا المعنى ما يكشف وجه الشبهة في أمره ويزيل الظّنّة : الدهر أبو العجائب وذو الغرائب ، إلّا أنّي ما ظننته يبدع هذه البدعة الشنعاء ، ولا يطرّق هذه الظنّة النكراء . وينبغي أن أعدل عن الاحتجاج للملك أدام اللّه بقاءه ، وأعزّ نصره ولواءه ، وللمؤتمن على تدبيره ، والسفير بينه وبين عسكره ، أدام اللّه تمكينه ، بأنّ اللّه يعلم ، والناس يعلمون ، خلوص النيّة لهما في الطاعة ، والبعد من هذه الشناعة . فإنّ تشاغلي بما يخصّني
--> ( 1 ) الهجان : كريم النسب نقيّه ، وأيضا الأبيض خلافا للمتعارف ( اللسان ) . ( 2 ) الجعار : الحبل يتمسّك به . ( 3 ) إسماعيل في الشعراء : أبو العتاهية ، أو السيّد الحميريّ ، أو الصاحب بن عبّاد ، وهو الأقرب . ( 4 ) الوزير الرخّجيّ له ترجمة في الوافي 12 / 356 ( 338 ) توفّي سنة 430 . ( 5 ) أي : التشيّع .